الأناركية والسلطوية وطبيعة البشر
يروي سيكستوس إمپيريكوس قصّة عن عادة اتّبعها الفرس في عصر بلاد فارس القديمة، وتتلخّص هذه العادة في أنه عندما يموت الملك تُترك البلاد لخمسة أيام بلا ملك أو سلطة سياسية تفرض القانون والنظام بحيث تعمّ الفوضى والاضطراب جميع أنحاء البلاد، وكان الهدف من وراء ذلك هو أنه بنهاية الأيام الخمسة، وبعد أن يصل السلب والنهب والاغتصاب والقتل إلى أقصى حدّ، فإنّ الذين يعايشون هذه الأحداث ويبقون سالمين أو على قيد الحياة سيكون لديهم ولاء حقيقي للملك الجديد ولسلطته السياسية باعتبارها ضرورة.
يمكن اعتبار هذه التجربة التاريخية، إن صدقت، تمثيلاً عملياً لفلسفة توماس هوبز لسياسية في تبريره للملكية المطلقة، حيث تُطابق فكرته عن «دولة الطبيعة» والتي لا تمثّل تاريخاً فعلياً للمجتمعات البشرية، بل فكرة تجريدية مفادها أنّه، وبغياب سلطة سياسية، تجبر الأفراد على التعاون تصبح حياة البشر قاسية جداً وقصيرة وصعبة التحمّل، تلخّصها جملة «حرب الجميع على الجميع»؛ حيث كلّ فرد سيكون مهدداً وسيخشى على حياته من الآخر، كما لن يضمن تلبية حاجاته ورغباته لمدّة زمنية طويلة، إذ أن اهتمام الإنسان في الحالة الأصلية يتركّز في المصلحة الذاتية الآنية والبقاء على قيد الحياة. وبالطبع فإنّ وجود مجتمع وتربية والعيش في ظلّ نظام سياسي لن تغيّر هذه الطبيعة البشرية الأصيلة، إذْ تبقى مستترةً إلى أن يصبح المناخ ملائماً لظهورها من جديد.
يتحدّث عالم النفس الكندي ستيڤن پينكر وكان شاهداً على هذه الحادثة بأنها كانت الاختبار التجريبي الحاسم الذي جعله يتخلّى عن معتقداته السياسية أيام المراهقة وكان أناركياً على مذهب باكونين، ودفعه فيما بعد خلال حياته المهنية إلى تطوير نظرة أكثر واقعية وعلمية عن الطبيعة البشرية بعيداً عن الافتراضات الفلسفية والأخلاقية المسبقة.
للمزيد زوروا موقعنا : www.historicodz.blogspot.com